فوزي آل سيف
56
إنهما ناصران : خديجة وأبو طالب
تهامس القرشيون، وسكروا بخمرة «وهم الانتصار» فما الذي جاء بأبي طالب ومعه الهاشميون، وقد بانت آثار الحصار على سمرة وجوههم، وضعف أبدانهم، وثيابهم أيضاً.. بينما رقّ غيرهم لحال أبي طالب، ذلك الذي كان أعز قريش، وشيخ أبطحها أيصير به التزامه بابن أخيه إلى هذا الحد من الجهد والبلاء؟!. نعم.. ها قد جاء أبو طالب إلى المسجد: - يا معشر قريش.. جرت بيننا وبينكم أمور لم تذكر في صحيفتكم فأتوا بها لعلّ أن يكون بيننا وبينكم صلح.. (لقد قال ذلك خشية أن ينظروا فيها قبل أن يأتوا بها فتفشل المهمة). وهكذا أتوا بها وهم لا يشكون أن أبا طالب يدفع إليهم النبي صلى الله عليه وآله.. ووضعوها بينهم، وقالوا لأبي طالب: - قد آن لكم أن ترجعوا عما أحدثتم علينا وعلى أنفسكم!! فأجابهم: - أتيتكم في أمر هو نَصف بيننا وبينكم.. أن ابن أخي أخبرني ولم يكذبني: أن الله قد بعث على صحيفتكم دابة فلم تترك فيها إلاّ اسم الله فقط، فإن كان كما يقول فأفيقوا عما أنتم عليه فوالله لا نسلمه حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان باطلاً دفعناه إليكم فقتلتم أو استحييتم! فقالوا –بأجمعهم -: رضينا!! وفتحت الصحيفة فإذا بها قد أكلتها الأرضة من أولها إلى آخرها باستثناء اسم الله سبحانه وتعالى. وبهذا خرجوا من الحصار وبان لمن كان له قلب صدق نبوة الرسول، وأرخ أبو طالب تلك الحادثة في قصيدته الدالية التي جاء فيها: ألا إن خير الناس نفساً ووالداً إذا عد سادات البرية أحمد نبي الإله والكريم بأصـله وأخلاقه وهو الرشيد المؤيد وخرج الجمع من ذلك الحصار، وكانت إرادة الله أن تختم حياة شيخ المؤمنين الحافلة بالفضائل، بفضيلة من هذا النوع، بعد أن بلغ به العمر أقصاه في خدمة النبي وأتباعه والدفاع عنه. وها هو أبو طالب مسجى على فراش الموت يلقي بعينيه لمن حوله من القرشيين موصياً بنصر النبي صلى الله عليه وآله، مستشرفاً أبعاد المستقبل حيث سيسخر الله لنصرة ابن أخيه من ينهي أسطورة قريش وينشر الدين لا في أرض العرب بل لكل الناس، ويبين أن سبب عدم إظهاره إيمانه بعدما قبله قلبه، إنما هو خوفه الشنآن والعداوة، والتزامه التقية..